حتى تصبح العلاقات الاجتماعية قوية ؛ والتواصل بين الأفراد تواصلا وثيقا يسوده الاحترام المتبادل والتلاقي على الخير دائماً؛ لابد أن نكرّس مبدأ الأخوة في الله في جميع مراحل حياتنا وفي أي زمانٍ ومكان، والأخوّة من المبادئ الاجتماعية الهامة التي يقوم عليها المجتمع الإسلامي، والقرآن الكريم صرّح بهذه الحقيقة حيث قال تعالى { إنما المؤمنون إخوة ... }، ومن خلال التدبّر في هذا المقطع من الآية الشريفة نسجل النقاط التالية :
- البَدء بأداة الحصر { إنما } في هذه الآية يشير إلى أهمية الأخوة في الإسلام فليس هناك أي علاقة أخرى غير علاقة الإخاء في الله والدين والمبادئ والقِيَم ، ولا اعتبار في الإسلام للعلاقات المصلحية المؤقتة التي لا تقوم إلا على أساس حب الأنا، أو تقديس الذات، أو الجري وراء المصالح المادية .
- إن الآية تشير أيضاً إلى موضوع ( الإيمان ) في هذه العلاقة الأخوية وهو أسمى ما يمكن للشخصية أن تتحلى به من السّمات والمزايا التي يرتفع بها الإنسان ويحقق إنسانيته وعبوديته لله سبحانه وتعالى ، ثم إن كلمة { المؤمنون } جاءت بصيغة الجمع وهذا يدل على أهمية صنع المجتمع الإيماني وتحقيق وجوده على مسرح الواقع.
- جاءت كلمة { إخوة } بصيغة الجمع أيضاً استكمالاً للمعنى في الجملة وتبييناً لأداء الحصر { إنّما } ، ولم تأتِ الآية بصيغة ( إخوان ) لأن التركيز في الآية كان على مبدأ الأخوّة ذاته الذي ينبغي أن يسود بين جميع أفراد المجتمع المسلم ، وليس على الإخوان ككيانات مجتمعة مع بعضها البعض ، حيث تنطبق كلمة ( إخوان ) على مجموعات معينة ومحددة ، بينما كلمة ( إخوة ) تركز على المبدأ ذاته كما تفيد الأخوّة بالمعنى الخاص أيضاً حسب موقعها من الجملة ، حيث تتوسّع دائرة الأخوّة الإسلامية عن كونها مجرّد أخوّة بالنّسب أو أخوّة بالزمالة أوالصداقة أو أي علاقة أخرى تجمع بين مجموعة من الأفراد في تجمّعٍِ واحد أو دائرة علاقات واحدة .
وفي الحديث الشريف الكثير من التوصيات بأهمية الإخاء والأخوة في الله لما لهذا المبدأ من فوائد عظيمة لتقوية المجتمع المسلم والوصول به إلى الوحدة الحقيقية القائمة على قاعدة إيمانية رصينة .
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ) : ( من أكرم أخاه المسلم بكلمة يُلطفه بها ، أو مجلس يُكرمه به ، لم يزل في ظلِّ الله عزّ وجل ممدوداً عليه بالرحمة ما كان في ذلك) وقال : ( إذا أحب أحدُكم أخاه فليُعلِمْه ، فإنّهُ أصلح لذات البين ) ، وقال : ( من استفاد أخاً في الله ، زوّجه الله حوراء ) فقيل : يا رسول الله ! وإنْ آخى في اليوم سبعين أخاً ؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ) : والذي نفسي بيده ولو آخى ألفاً زوّجه الله ألفا )، وقال : ( نظر المؤمن في وجه أخيه حباً له عبادةٌ ) ، وقال ( من زار أخاً في الله أو عاد مريضاً ، نادى منادٍ من السماء طبتَ وطاب ممشاك ، تبوأت من الجنة منزلك )، وقال ( ما من عمل أفضل عند الله عز وجل من سرورٍ تُدخله على مؤمن، أو تطرد عنه جوعاً ، أو تكشفُ عنه كرباً، أو تقضي عنه ديناً، أو تكسوه ثوباً ) .. وأحاديث كثيرة كلها تركّز على أهمية الإخاء في الله وحب الإخوان وتقديم المعونة لهم ، وزيارتهم، وإدخال السرور عليهم، وقضاء حوائجهم، وهذه الأخلاقيات والآداب الإسلامية جزء لا يتجزأ من عملية البناء الصادق للمجتمع المسلم ، وهذا ما نطمح أن يتحقق في واقعنا الاجتماعي الذي نعيشه ، ولتحقيق ذلك علينا أن نبدأ بأنفسنا أولاً لا أن نكرر للآخرين ( يجب عليكم )
( ينبغي منكم ) ، بل أقول لنفسي ككاتب وقارئ ( يجب عليّ ) ( ينبغي منّي ) أن ألتزم بآداب وأخلاق رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم في تحقيق مبدأ الأخوة الإسلامية في إطار أسرتي ومجتمعي الصغير والمجتمع الكبير في البلدة أو المدينة التي أعيش فيها وفي المجتمع الأكبر من ذلك وهو مجتمع المنطقة أو المحافظة حتى تكبر الدائرة ويصبح مبدأ الأخوة الإسلامية مطبّقاً في الأمة الإسلامية جمعاء ..
صدّقوني .. هذا ما يخاف منه أعداء الله ورسوله ومَن لفّ لفّهم وسار في فلكهم في كل زمانٍ ومكان ، ولأجل هذا يقوم الأعداء بصناعة الفتن في كل مكان للإجهاز على أي مبادرة ( إنسانية / إسلامية ) لتحقيق أولى خطوات الوحدة الإسلامية الكبرى وهي مبدأ الأخوة في الله .
وحتى نلتقي لكم مني كل المحبة
بقلم /عقيل بن ناجي المسكين