الخطبة الأولى :
اعلموا رحمني الله وإياكم أن الله سبحانه مدح العلم وأهله وحث عباده على العلم والتزود منه وكذلك السنة المطهرة ، فالعلم من أفضل الأعمال الصالحة قال الإمام أحمد رحمه الله ( العلم لا يعدله شيء لمن صحت نيته قالوا : كيف ذلك ، قال ينوي رفع الجهل عن نفسه وعن غيره ) ، وذلك لأن الأصل في الإنسان أنه جاهل يحتاج إلى العلم ليحيا حياة طيبة قال تعالى {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا}
وهذا العلم الذي حث عليه الشارع هو العلم الشرعي ، قال ابن رجب الحنبلي رحمه الله " فالعلم النافع من هذه العلوم كلها ضبطُ نصوصِ الكتابِ والسنةِ وفهمُ معانيهما والتقيدُ في ذلك بالمأثورِ عن الصحابةِ والتابعينَ وتابعيهم في معاني القرآنِ والحديثِ وفيما وردَ عنهم من الكلامِ في مسائلِ الحلالِ والحرامِ والزهدِ والرقائقِ والمعارفِ وغيرِ ذلك ، والاجتهادُ في تمييزِ صحيحهِ من سقيمهِ أولاً ثم الاجتهادُ في الوقوفِ على معانيه وتفهمه ثانيا ، وفي ذلك كفاية لمن عَقَل " أ.هـ
والعلم الشرعي – إخواني في الله – هو ميراثُ النبي محمدٍ صلى الله عليه وسلم ، وبالتالي فهو سبيلٌ للرفعةِ في الدنيا والآخرةِ ، وتأملوا معي هذا الحديثَ النبويَ في ذكرِ فضائلِ العلمِ الشرعي روى الترمذيُّ عَنْ قَيْسِ بْنِ كَثِيرٍ قَالَ قَدِمَ رَجُلٌ مِنْ الْمَدِينَةِ عَلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ وَهُوَ بِدِمَشْقَ فَقَالَ مَا أَقْدَمَكَ يَا أَخِي فَقَالَ حَدِيثٌ بَلَغَنِي أَنَّكَ تُحَدِّثُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :أَمَا جِئْتَ لِحَاجَةٍ قَالَ :لَا قَالَ : أَمَا قَدِمْتَ لِتِجَارَةٍ ، قَالَ : لَا ، قَالَ : مَا جِئْتُ إِلَّا فِي طَلَبِ هَذَا الْحَدِيثِ ، قَالَ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَبْتَغِي فِيهِ عِلْمًا سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضَاءً لِطَالِبِ الْعِلْمِ وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ حَتَّى الْحِيتَانُ فِي الْمَاءِ وَفَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ ، إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَ بِهِ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ .
بل من خرج إلى المسجد لتعليم الخير أو تعلمه نال الجر الفضيل فعن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " من غدا إلى المسجد لا يريد إلا أن يتعلم خيرا أو يعلمه كان له كأجر حاج تاما حجته "
وقال الله عز وجل في فضل أهل العلم ورفع منزلتهم في الدنيا والآخرة { يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} (11) سورة المجادلة ، وهذه الرفعة في الدنيا بسمو المنزلة وعلو الشأن بين الناس ورفعة الآخرة في درجات الجنة ، والسبب في هذا أن العلم الشرعي يدل على أمرين :
أحدهما : معرفةُ اللهِ وما يستحقهُ من الأسماء الحسنى والصفاتِ العلى وذلكِ يستلزمُ إجلالهُ وإعظامهُ وخشيتهُ ومحبته ورجاءهُ والتوكلُ عليه والرضا بقضائه والصبرُ على بلائه فلأسماءِ الله وصفاتهِ أثرا بالغا في زيادةِ إيمان العبد وخوفه من الله وخشيته
والأمر الثاني ، المعرفة بما يحبه الله ويرضاه وما يكرهه ويسخطه من الاعتقادات والأعمال الظاهرة والباطنة والأقوال فيوجب ذلك لمن علمه المسارعة إلى ما فيه محبة الله ورضاه والتباعد عما يكرهه ويسخطه ، قال الله عن العلماء { إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء } فمن كان بالله أعرف كان منه أخوف .
ولذا أمر الله نبيه صلوات الله وسلامه عليه بالإستزادة من طلب العلم فقال سبحانه { وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا} (114) سورة طـه لما في ذلك من الخير العميم الذي يناله المسلم ، فإن أراد الله بعبد خيرا فقهه في هذا الدين فعن معاوية رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " من يرد الله به خيرا يفقه في الدين " ، قال ابن القيم رحمه الله " وهذا يدل على ان من لم يفقهه في دينه لم يرد به خيرا كما أن من أراد به خيرا فقهه في دينه ، وذلك إذا أريد بالفقه العلم المسلتزم للعمل "
والعلم الشرعي الذي هو العلم بالله أصل كل علم وهو أصل علم العبد بسعادته وكماله ومصالح دنياه وآخرته ، والجهل به مستلزم للجهل بنفسه ومصالحها وكمالها وما تزكو به وتفلح ، فالعلم به سعادة العبد والجهل به أصل شقاوته
والعلم بأحكام الشريعة واجب على كل مسلم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم " طلب العلم فريضة على كل مسلم " فيجب على العبد أن يتعلم ما يصلح به دينه من صلاة صحيحة ونبينا صلى الله عليه وسلم يقول " صلوا كما رأيتموني أصلي " ، وإذا أراد المسلم الحج وجب عليه أن يتعلم مناسكه حتى لا يؤدي العبادة على غير المشروع فلا تقبل عند الله تعالى
وأنت أخي المسلم إن لم تكن عالما أو متعلما فأنت في شراك الجهل واقع جاء عن على بن أبي طالب رضي الله عنه قال " الناس ثلاثة : فعالم رباني ، ومتعلم على سبيل نجاة وهمج رعاع أتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح ، لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق ، العلم خير من المال العلم يحرسك وأنت تحرس المال ، العلم يزكو على العمل ، والمال تنقصه النفقه ، العلم حاكم والمال محكوم ، ومحبة العالم دين يدان به ، العلم يكسب العالم الطاعة في حياته ، وجميل الأحدوثة بعد وفاته ، مات خزان الأموال وهو أحياء ، والعلماء باقون ما بقي الدهر ، أعيانهم مفقودة وأمثالهم في القلوب موجودة "
الخطبة الثانية : قال ابن سيرين رحمه الله تعالى " إن هذا العلم دين فاعرفوا عمن تأخذون دينكم " فكما أخذ الصحابة الكرام علم الشريعة عن النبي صلى الله عليه وسلم ونقلوه للمسلمين من بعدهم فكذلك على المسلمين أن يأخذوا هذا العلم ممن ورث هذا العلم وهو العلماء كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث " إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَ بِهِ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ "
وقد أرشدنا الله إلى ذلك فقال في كتابه العزيز { فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} ، فأمر الله من لا يعلم أن يرجع إلى أهل الذكر لسؤالهم . وأرشدنا نبينا صلوات الله وسلامه عليه إلى سؤال العلماء فيما أشكل علينا فقال " ألا سألوا إذا لم يعلموا فإنما سؤال العي السؤال "
وأهل الذكر هم أهل القرآن والسنة المتبعون للآثار الذين يعلمون الناس صغار العلم قبل كباره ، يعلمون الناس التوحيد ونواقضه والصلاة بأركانها وشروطها ومبطلاتها والزكاة وأحكامها والعبادات جميعها هؤلاء هم أئمة الدين وحماته والذابين عنه .
واحذركم عباد الله من علماء السوء أئمة الضلال الذين خاف علينا منهم نبينا محمد صلى اله عليه وسلم حيث قال ( إن أخوفَ ما أخافُ على أمتي كل منافق عليم اللسان ) وقال "إنما أخاف على أمتي الأءمة المضلين "
قد بين صلوات الله وسلامه عليه أن الناس يقتفون آثار علماء الضلالة والسوء إذا مات علماء القرآن والسنة فقال صلى الله عليه وسلم ( إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء ( أي موتهم ) حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رءوسا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا "
وإلتماس العلم عند علماء أهل البدع والضلال من علامات قرب الساعة كما اخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال " إن من أشراط الساعة أن يلتمس العلم عند الأصاغر " وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه " إنكم لن تزالوا بخير ما دام العلم في كباركم فإذا كان العلم في صغاركم سفه الصغير الكبير "
ولقد انتشر من أمثال هؤلاء في وسائل الإعلام الشيء الكثير ممن يجذبون انتباه المسلمين بالقصص والحكايات غير مهتمين بتعليم الناس أمر دينهم وهم ممن يلمزون بالداعية والأستاذ والمفكر وهو من أبعد الناس عن تعاليم الإسلام في قوله وفعله ولباسه ، قال أبو قلابة رحمه الله " ما أمات العلم إلا القصاص ، يجالس الرجل الرجل القصاص سنة ، فلا يتعلق منه بشي ويجلس إلى العالم فلا يقوم حتى يتعلق منه بشئ "
وهذا والله هو الواقع إنك لتسمع لأحدهم مئات المحاضرات والمقابلات سواء في الفضائيات أو السمعيات ولا تستفيد من أمر دينك شيئا أبدا ؟ بل خطرهم على الإسلام عظيم إذ إن الناس يثقون بهم لأنهم يتكلمون بقال الله قال رسوله ، ثم يدسون السم في العسل فيروجون لأحاديث ضعيفة وموضوعة ويحثون الناس على البدع ويظهرونها على انها سنة وربما كانت مجالسهم مجالس اختلاط بين الرجال والنساء فتعظم الفتنة وينتشر الشر
قال الإمام مالك رحمه الله محذرا منهم " إني لأكره هذه القصص في المساجد ، ولا أرى أن يجلس إليهم ، إن القصص لبدعة ، وليس عليهم ان يستقبلوه كالخطيب "
وهذا الرابط الصوتي للخطبة
http://www.mediafire.com/?63oznmjjg0g