مما يجب الحـذر منه كل الحذر اتباع منهج الغرب (اللاديني) في تأهيل المعاقين، وذلك أن هـذا المنهج يقوم وفق فلسفة الغرب وعقيدته في الحياة، وهي أنهم يعيشون للدنيا فقط، ولا حياة بعد الموت وأن على الإنسان أن يستمتع بحياته إلى أقصى ما يستطيع، وأنه لا ينبغي له أن يضع أية عراقيل في طريق هذا الاستمتاع، بما يسميه قيوداً للدين، أو الخلق، أو الأعراف والتقاليد... ومن أجل ذلك نبذ الغرب الدين، والخلق، والتقاليد، وجميع الأعراف، ووضعوا بدلاً من ذلك كله القانون العام، وأطلقوا العنان لكل الشهوات، والحريات، وخاصة الجنسية، ومن أجل ذلك كانت إباحة الزنا والعري، والخمور، والرقص، والموسيقى، والشذوذ، وأزيلت كل العوائق التي تحول دون ذلك من فروض الدين، أو الحياء، أو التقاليد، وهذا المنهج لم يطبقه الغرب مع الأصحاء فقط بل راح يطبقه مع المرضى كذلك... وعلماء النفس عندهم يرون أن أعظـم تأهيل للمعاق هو فتح مجالات الاستمتاع بمباهج الحياة لما تبقى عنده من الحواس.. وأن هذا سيجعله يحب الحياة من جديد لأنه يجد فيها شيئاً يستحق أن يتشبث به..
ولذلك تمسكت مراكز التأهيل بهذا النمط الغربي كالعلاج بالموسيقى، والغناء، والأفلام والمتع المحرمة..
وهذا جميعه يضر ولا ينفع، بل الصحة النفسية حقيقة إنما هي في غرس معاني الإسلام واليقين والإيمان، وإدخال السرور على قلب المريض مما يجعله يستمتع بالحلال حسب الإمكانيات التي يسرها الله له...
وسيجد المؤمن دائماً أن ما أبقاه الله له ليتمتع فيه بالحلال فيه عوضٌ عن الحرام، فالتمتع بقراءة الكتاب الكريم، وتعلم العلم النافع أعظم مما يتخيله من يظن أن في الموسيقى والغناء متعة...
وصرف نظر المعاق إلى أن يفني عمره في رسوم تافهة، وهوايات تقتل وقته، وتدمر نفسه كألعاب الورق، والنرد من باب قتل وقته، وملء فراغه... كل هذا إشغال بالتافهات والمحقرات، وحجب للمعاق عن الأمور العظيمة النافعة كالبراعة في العلوم الشرعية النافعة، أو العلوم الدينية المفيدة.
ولقد كان كثير من علماء الأمة الأفذاذ النابغين قد أصيبوا بعاهة من العاهات العظيمة، وقد ألفت كتب كثيرة في أنواع المعاقين الذين كان لهم شأن عظيم في العلوم.
ولا شك أنه يجب التفريق بين ما توصل إليه بعض مخترعي الغرب من الوسائل النافعة في تعليـم المعاقين كالكتابة البارزة، وإن كان الفضل الأول فيها لأعمى من المسلمين اخترعها قبل (برايل) بمئات السنين، ولكنها لم تطبق على نطاق كبير، وكذلك لغة الإشارة للصم، وكذلك الوسائل والآلات الحديثة التي تساعد المعاق، كالكراسي الكهربائية والرافعات، وبرامج الحاسوب، ونحو ذلك، وكل هذا من الوسائل التي يجب الاستفادة منها...
وعلى كل حال يجب التفريق بين التأهيل النفسي، وطرائق الغرب المنحرفة في هذا التأهيل، وبين استخدام الوسائل المادية والمخترعات الحديثة التي تنفع في تأهيل المعاق.
سابعاً: أهم الأحكام الفقهية للمعاق:
قواعد عامة:
* لا تكليف إلا بمستطاع:
اعلم أنه سبحانه وتعالى من رحمته وإحسانه لا يكلف نفساً إلا وسعها، قال تعالى: {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها} (البقرة:286)، والوسع هو الجهد والطاقة ومن أجل ذلك يجب على السليم من الواجبات ما لا يجب على المريض، وعلى المبصر ما لا يجب على الأعمى، وهكذا كل من فقـد جارحة من جوارحه أو قوة من قواه، فإنه يسقط عنه من الواجبات الشرعية بحسب ما فقد من قدراته وإمكاناته واستطاعته.
* العقل مناط التكليف:
اعلم أن العقل وهو القدرة على الفهم والإدراك هو مناط التكليف بالإيمان والإسلام، وسائر العبادات، فمن فقـد العقل فأصبح مجنوناً لا تمييز له فإن التكليف يسقط عنه، ولا يسقط التكليف إلا بفقد العقل كله، ويبقى من التكليف بمقدار ما بقي من العقل والإدراك..
* لا يسقط التكليف كله بفقد جزء من مناطه:
ومعنى هذه القاعدة أن المكلف عليه أن يقوم بما يستطيع، فمن قطعت يده مثلاً إلى نصف الذراع وجب عليه في الطهارة غسل النصف الباقي إلى المرفق، ولا يسقط عنه أن نصف الذراع مقطوع، ومن كان لا يستطيع القيام لشلله النصفي فإنه يجب عليه أن يصلي جالساً ما دام يستطيع الجلوس، كما قال صلى الله عليه وسلم: [صل قائماً فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلى جنب] (رواه البخاري)
فسقوط وجوب القيام عن العاجز عنه لا يسقط عنه القعود ما دام يستطيعه، فإذا لم يستطع القعود أيضاً انتقل إلى ما يستطيعه، وهو الصلاة على جنب، أو ظهر.
1) الإيمان بالله أعظم تكليف وهو أفضل الأعمال:
سُئِل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي العمل أفضل؟ قال: [إيمان بالله ورسوله]، قيل ثم أي؟، قال: [جهاد في سبيل الله] قيل ثم أي؟ قال: [حج مبرور] (متفق عليه)
وهذا حديث يجعل الإيمان بالله أفضل الأعمال، وهذا العمل -أعني الإيمان- هو في متناول كل معاق، مهما كانت إعاقته، إلا أن تكون زوالاً للعقل أو معظمه، ففقد السمع، والبصر، والأطراف، وجزء من العقل كل ذلك لا يمنع من الإيمان بالله... بل قد يبلغ الذين أصابهم شيء من هذه الآفات ما لم يبلغه السليم المعافى، والإيمان إذا اقترن بغيره من الأعمال أو الإسلام يعني عمل القلب، وليس الإيمان هو مجرد التصديق الذي يتساوى فيه كل مصدق بالله واليوم الآخر، ولكنه أعمال عظيمة في القلب فوق مجرد التصديق فالتوكل، والخشية، والتقوى، ومراقبة الله ومحبته، وتعظيمه يتفاضل الناس فيها تفاضلاً بليغاً.
وهذه الأعمال القلبية جميعها يستطيعها المعاق في بدنه دون عقله، وهذا يعني أن المعاق في بدنه يملك أعظم تكليف كلف الله به عباده وهو الإيمان به سبحانه وتعالى، ورسالاته، وهذا الإيمان هو أفضل الأعمال على الإطلاق، فالمعاق يملك أن يقوم بأشرف أعمال الدين وأعظمها أجراً وثواباً ومنزلة عند الله، وهو الإيمان به ومحبته، ومخافته وتقواه، ورجاؤه، ومراقبته، والثناء عليه، وحسن الظن به، والرغبة فيما عنده، والأمل بلقائه ومحبة ذلك، كما قال صلى الله عليه وسلم: [من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه] (متفق عليه)
فليكن أول ما يتوجه إليه المصاب في بدنه أن يزداد إيماناً ومحبة وقرباً من الله سبحانه وتعالى، وبذلك يكون ما اختـاره وهدى إليه من الإيمان بالله، والرفعة عنده أعظم مما فقده من قوة بدنية قد تكون صارفاً له عن الإيمان والطاعة.
2) لا يزال لسانك رطباً بذكر الله:
قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً* وسبحوه بكرة وأصيلاً} (الأحزاب:41-42)..
وقال تعالى: {فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون} (البقرة:152)
وقال تعالى في الحديث القدسي: [أنا مع عبدي إذا هو ذكرني وتحركت بي شفتاه] (رواه أحمد وابن ماجه وصححه الألباني في الصحيحة 3059)
وقال صلى الله عليه وسلم: [كلمتان خفيفتان على اللسان، حبيبتان إلى الرحمن، ثقيلتان في الميزان، سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم] (متفق عليه)
ذِكرُ الله باللسان والقلب من أيسر الأعمال وأسهلها، وإذا كان السليم المعافى تشغله المشاغل عن ذكر الله، فإن الضعيف المعاق قد هيأ الله له فرصة عظيمة لذكره والانقطاع لعبادته، والتبتل إليه...
والذكر سهل يسير لأنه حركة اللسان فإن لم يستطع المعاق أن يحرك لسانه فليكن الذكر بالقلب...
والذكر لا حد لأكثره: {فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون، وله الحمد في السموات والأرض وعشياً وحين تظهرون} (الروم:17-18)
فليكن الشغل الشاغل، وقضاء الوقت لكل مسلم يريد الخير والمثوبة والأجر العظيم أن يظل لسانه رطباً بذكر الله، ومن ابتلاه الله فقد هيأ له سبباً عظيماً وفرصة عظيمة لعروج الروح، وعلو الشأن: [أنا مع عبدي إذا هو ذكرني وتحركت بي شفتاه].. {من كان يريد العزة فلله العزة جميعاً إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه.. الآية} (فاطر:10)
3) الصلاة خير موضوع:
الصلوات الخمس المفروضة هي أعظم الفرائض بعد توحيد الله والإيمان به، وهي ركن الإسلام الثاني كما قال صلى الله عليه وسلم: [بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة] (رواه مسلم)
وهي خير ما وضعه الله لأهل الأرض من الأعمال، وقد فتح الله باب التطوع فيها على مصراعيه، وسن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلوات كثيرة تطوعاً، ومن هذا التطوع السنن الراتبة قبل وبعد الصلوات اثنتا عشرة ركعة في اليوم: اثنتان قبل الفجر، واثنتان قبل الظهر، واثنتان بعـدها، واثنتان قبل العصر، واثنتان بعد المغرب، واثنتان بعد العشاء، وقد جاء في الحديث الصحيح: [من صلى اثنتي عشرة ركعة في يوم وليلة بُنِيَ له بهن بيت في الجنة ] (رواه مسلم)
وأمر الله سبحانه بقيام الليل من الثلث إلى الثلثين. وهناك تحية المسجد، وصلاة الضحى، وصلاة الاستخارة، وهذه النوافل كلها من ذوات الأسباب وهناك النفل المطلق، وهو لا حد له في ليل أو نهار مع ترك الأوقات التي نُهِىَ عن الصلاة فيها وهي: بعد صلاة الفجر إلى شروق الشمس، وقبل الظهر عندما تكون الشمس في كبد السماء إلى أن تزول عن كبد السماء وهو وقت قليل لا يتعدى نصف ساعة، وبعد صلاة العصر إلى غروب الشمس، وما عدا ذلك من الأوقات يصلي فيه المسلم ما شاء من الركعات تقرباً إلى الله وزلفى...
وهذه الصلوات هي أعظم ما يُشْغل المسلم بها نفسه، والانشغال بها من أعظم الفرص المتاحة للمعاق في بدنه، فإن أجره أجر السليم الذي يتمكن من القيام، وقد سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلاً: "أريد مرافقتك في الجنة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [أو غير ذلك].. قال: هو ذاك: قال صلى الله عليه وسلم: [فأعني على نفسك بكثرة السجود]" (رواه مسلم)
فلو كان هناك عمل أفضل من إكثار الصلاة لحثه عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا يدل على أن الصلاة أفضل الأعمال بعد الإيمان بالله...
ومن أجل ذلك أحث نفسي وإخواني ممن ابتلاهم الله بشيء في أبدانهم أن يستفيدوا من وقتهم بالصلاة، فإن هذا أعظم ما يمكن أن يحصله مسلم في حياته...
4) أهم أحكام الصلاة والطهارة:
والصلاة المفروضة لا تسقط بحال إلا إذا سقط مناط التكليف، وهو العقل فالمجنون وحده هو الذي سقط عنه فرض الصلاة..
ورفعت المحاسبة عن النائم حتى يستيقظ، والمغمى عليه حتى يفيق. فإذا استيقظ النائم وجب عليه أن يصلي ما نام عنه، ولا يجوز لأحد أن يتعمد النوم عن الصلاة المكتوبة فإن هذا إثم عظيم. وجاء في السنة وعيد شديد لمن ينام عن الصلاة المكتوبة.
وكذلك المغمى عليه إذا أفـاق وجب عليه أن يصلي ما فاته من الصلوات... وأما المجنون فإنه لا يصلي ما فاته في حال جنونه إذا رد إليه عقله لأن التكليف يسقط عنه.
ومن أجل ذلك وجب على المعاق بأي إعاقة غير فقد العقل أن يصلي الصلوات المكتوبة، وله أن يجمع الظهر مع العصر، والمغرب مع العشاء للمشقة، ويسقط عنه ما لا يستطيعه من واجبات الصلاة، فإذا لم يستطع القيـام صلى جالساً فإذا لم يستطع الجلوس صلى راقداً، وإذا لم يستطع قراءة الفاتحة أمرها على قلبه فقط... وإذا لم يستطع ركوعاً أو سجوداً أومأ إيماءاً.
فإذا لم يستطع أن يتوضأ وضوءاً كاملاً غسل ما يستطيعه من أعضاء الوضوء التي يجب غسلها أو بعضها، وإذا لم يستطع الوضوء كله تيمم، وإذا لم يستطع التيمم، صلى على حاله، ويسقط عنه الأمران.
ويجب على من يقـوم على كفالة المعاق أن يساعده في وضوئه، فإن لم يكن للمعاق من يساعده سقط عنه جميع ما لا يستطيعه..
ويجب على المعاق إزالة النجاسة عنه، وما لا يستطيعه لا يجب عليه، وإذا دخل الوقت وهو في نجاسة لا يستطيع إزالتها، وليس عنده من يساعده في إزالتها صلى على حاله، ولا تسقط عنه الصلاة بملابسة النجاسة له، هذا إذا كانت النجاسة ملابسة لبدنه، وأما إذا كانت النجاسة تتحول إلى كيس بجواره فلا بأس أن يصلي وهي متصلة به، وإن أمكن عزل (كيس البول، والغائط) عنه وقت الصلاة بنفسه أو بمساعدة من يساعده فحسن، وإن لم يمكنه ذلك فلا بأس أن يصلي والكيس معلق به..
وقد كانت بعض الصحابيات يصلين مع الرسول صلى الله عليه وسلم في مسجده وتضع إحداهن الطست تحتها من شدة الاستحاضة، علماً أن دم الاستحاضة نجس باتفاق، ومن أجل ذلك نقول إنه لا بأس أن يحضر المعاق صلاة الجماعة في المسجد، وإن كان كيس البول أو الغائط معلق بكرسيه، أو وهو يحمله تحت ثيابه. ومن لم يقدر على ستر عورته من المعاقين كالمحروق الذي لا يستطيع وضع شيء على بدنه فإنه يصلي وإن لم يستر عورته..
وكذلك الشأن في القبلة فإن أمكن أن يتوجه إليها توجه وإن لم يستطع فليصل على حاله إلى أي جهة يستطيعها وإن كان عند المعاق من يعلمه بدخول الوقت وإلا اجتهد وصلى.
والخلاصة أن جميع شروط الصلاة من الطهارة، وستر العورة، ودخول الوقت، والقبلة يسقط عند عدم القدرة عليه.
وتبقى الصلاة واجبة وإن سقطت شروطها لا تسقط، وإن سقطت معظم أركانها من القيام، وقراءة الفاتحة، والركوع والسجود، والجلوس فإن الصلاة لا تسقط كذلك.
فعلى المصلي مهما كانت إعاقته أن يصلي حسب ما يستطيعه، ولا يجوز له أن يقول ما دام أني لا أستطيع الطهارة، أو ستر العورة فإن الصلاة تسقط عني... بل الصلاة لا تسقط بحال إلا بضياع العقل فقط...
وليس الواجب على المعاق أن يصلي الصلاة المفروضة فقط ما دام أنه فاقد لبعض الشروط أو الأركان والواجبات... بل له كذلك أن يصلي النوافل، ويستزيد من التطوع وإن كان فاقداً لبعض شروط الصلاة، أو أركانها.
5) الصوم:
المعاق أو المريض الذي لا يستطيع الصوم أبداً، ولا يرجى برؤه يفطر شهر رمضان ويطعم عن كل يوم مسكيناً أو أكثر وأما المعاق الذي يستطيع الصوم فإنه يجب عليه أن يصوم، ولا يسقط عنه الصوم إذا كانت إعاقته لا تمنعه من ذلك كالأعمى والأصم والمقعد.