خلال العقدين الماضيين بدأت تظهر على النظام البيئي المتداخل والمتماسك ملامح وبوادر التدهور نتيجة للممارسات الخاطئة فأصبحت هناك العديد من المشاكل البيئية التي تهدد حياتنا جميعاً على هذا الكوكب ، الأمر الذي يستوجب تضافر الجهود من أجل وقف هذا التدهور ومكافحة التلوث البيئي ، والمحافظة على البيئة من التفريط والإسراف في استخدام الموارد وخاصة الموارد المائية
يعتبر التخلص من مياه المخلفات السائلة وخاصة مياه المجاري المنزلية للمدن الساحلية من أهم مصادر التلوث لشواطئ الجماهيرية وكذلك في كثير من مناطق العالم خاصة دول البحر الأبيض المتوسط وذلك لما تحتويه هذه المخلفات من مواد عضوية وغير عضوية تشكل مصدر خطر على حياة الإنسان وصحته وكذلك البيئة ، كما أنه وفي ضوء الأوضاع المائية بالجماهيرية من حيث محدودية مواردها المائية التقليدية فإن التفكير في سياساتها طويلة الأمد يجب أن يتجه نحو استغلال مياه الصرف الصحي المعالجة وبل وحتى الصناعي واعتبارها كأحد المصادر المحتملة لتأمين مصادر مائية إضافية بحيث يتم استخدامها في أغراض مختلفة ومحددة بعد معالجتها
إن هذا التوجه سوف يساعد حتماً في التعامل بمرونة مع الزيادة المحتملة في عدد السكان واستحداث المناطق الحضرية الجديدة التي سوف يترتب عليها أيضاً زيادة في الطلب على المياه وكذلك في كمية مياه الصرف الصحي المتولدة لهذا فإن عدم إعادة استعمال هذه المياه يشكل هدراً لكمية كبيرة من المياه.
إن التخلص العشوائي وغير المخطط لمياه الصرف الصحي يؤدي إلى تلوث البيئة ، وتدهور الوضع البيئي التي غالباً ما تكون عملية إصحاحها باهظة التكاليف ، إضافة إلى انعكاساتها السلبية على الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية والإخلال بالمظهر العام للمكان وتأثيراته على الجوانب السياسية . لهذه الأسباب فكر الباحثون في إعادة استخدام مياه الصرف الصحي بل أصبح موضوع معالجة المياه يندرج على سلم أولويات إستراتيجيات إدارة موارد المياه بالعديد من الدول وخاصة الدول محدودة الموارد المائية .
لهذا ينبغي أن تكون هناك قفزة كبيرة وجادة في مجال إنشاء محطات معالجة مياه الصرف الصحي بالجماهيرية ، ليس من أجل المحافظة على الصحة العامة والحد من تلوث البيئة فقط ، ولكن من أجل تأمين مصادر مائية إضافية لاستخدامات محددة مختلفة ، ويأتي موضوع مكافحة التصحر ودعم الغطاء النباتي من المشاريع التي ينبغي أن تضمن بالخطة الوطنية أو البرنامج الوطني للبنية التحتية حيث من الممكن أن يتم من خلال التوجه نحو مكافحة التصحر الحد من مخاطره وإيقاف انجراف الكثبان الرملية وإعادة تأهيل الأراضي الصحراوية المحاذية للمدن .
وإضافة إلى إعادة الخضرة للنباتات الطبيعية لغرض تثبيت الرمال والحد من تدهور الأرض ومن انتشار التصحر خاصة في المناطق الحساسة والنائية ومعالجة الأراضي التي أصابها التدهور باستخدام التقنيات وأساليب الإدارة البيئية السليمة يعد كل ذلك مطلباً إضافياً وهاماً في إستراتيجيات إدارة الصرف الصحي .
إن إدراكنا الحالي لخطورة ظاهرة التصحر على مستقبل التنمية وأهدافها يجعلنا دائماً في حالة استعداد واستنفار لطاقات العمل البيئي ، ليكون قادراً على صيانة الموارد الطبيعية وترشيد الاستخدام الأمثل لهذه الموارد وبصفة خاصة الموارد المائية التي مازالت من أهم المشكلات التي رصدت لها الجماهيرية الأولوية القصوى من خلال التخطيط المستمر لتوفير المياه ، وبالرغم من التطور الكبير الذي شهده مجال معالجة مياه الصرف الصحي في العالم وذلك باستخدام أحدث أساليب البناء والتشييد ونظم المراقبة والتشغيل الإلكتروني ، فإن المراحل الأساسية لعملية معالجة المخلفات السائلة لمياه الصرف الصحي تعتمد أساساً على المعالجة البيولوجية التي تقوم بها الكائنات الحية .
بشكل عام يوجد نوعان من نظم المعالجة هما المعالجة التقليدية Conventional Systems وهي الطريقة التي يتم فيها نقل مياه الصرف الصحي من القرى والمدن في شبكة من الخطوط الرئيسية والفرعية إلى محطة المعالجة حيث يتم معالجتها والتخلص منها إلا أنه من عيوب هذه الطريقة ارتفاع حجم الاستثمارات المطلوبة إضافة إلى أن تكاليف التشغيل والصيانة عالية أيضاً ، إلا أنها لازالت أفضل الطرق بل الوسيلة الوحيدة للتعامل مع مياه الصرف الصحي في المدن والقرى الكبرى ، أما الطريقة الثانية فهي المعالجة البيئية Ecological Sanitation وهي التي يتم فيها فصل مياه الأمطارRainwater عن مياه الغسيل Grey-Water وكذلك فصل مكونات الصرف الصحي في مراحل مبكرة حيث يتم فصل البول Urine عن المادة العضوية (البراز) Faeces وإعادة استخدام هذه المواد (كعناصر للتغذية) في التربة . ويعد استخدام هذه الطريقة من أحدث الطرق إلا أنها تحتاج إلى وعي بيئي عالي وعادة ما يتم تطبيقها الدول التي حققت معدلات عالية جداً في عمليات الإصحاح البيئي حيث إن تأثيرها البيئي يكاد يكون معدوماً .
إن معظم الدراسات في هذا الشأن كانت في السابق تعتمد على المقارنة كيفية وطبيعة تشغيل نظام المعالجة وليس على دورة حياته بالكامل Full Life Cycle ومن الممكن من خلال عملية المعالجة أن نكون قد ساهمنا حل مشكلة بيئية من جانب ومن جانب آخر قد خلقنا مشكلة اقتصادية بمعنى أن تكون عملية المعالجة من الطرق المستهلكة للطاقة لهذا فإن النظر لعمليات المعالجة يجب أن ينظر إليه من منظور مستدام ليتم التفكير والتخطيط لعملية المعالجة ، عند نهاية الأنبوب بما يدعو إلى إعادة استعمال المياه المعالجة في المجالات المختلفة .
ولم ينجح نظام البيارات أيضاً في التخلص من مياه الصرف الصحي فكانت تحفر آبار متوسطة الحجم بجوار المنازل وتلقى بها المخلفات ويتم تغطيتها حتى لا تصل روائحها الكريهة إلى الهواء وعندما تمتلئ هذه البيارات تنقل المخلفات الموجودة بها سيارات خاصة لتلقي خارج المدينة وبعيداً عن المجمعات السكنية ، ومن الطبيعي أن المياه المحملة بالمواد العضوية وبالجراثيم كانت تتسرب من هذه البيارات عن طريق جدرانها وتصل خلال الطبقات المسامية للتربة إلى المياه الجوفية فتلوثها وتفسدها وتجعلها غير صالحة للشرب .
وما زالت بعض دول العالم الثالث تستخدم هذه البيارات في طرق مخلفاتها ويقيس بعض مدى تقدم كل دولة بالمدى الذي تنتشر فيه شبكات الصرف الصحي في كل أرجائها ، وتقوم بعض المدن بإلقاء مياه الصرف الصحي في المجاري المائية أو في البحار وعندما تصل هذه المياه المحملة بالمواد العضوية والفضلات إلى الأنهار أو البحيرات فإنها تفسدها وتجعل مياهها غير صالحة للشرب ولا حتى لحياة كثير من الكائنات.
وتمكن لبعض الأنهار سريعة الجريان ألا تتأثر كثيراً بمياه الصرف الصحي ولكن ذلك يتوقف على سرعة جريان مياه النهر وعلى حجم مياه الصرف الصحي التي تلقى فيه وكذلك كمية الأكسجين الذائب في مياه النهر ، ووجود أعداد كافية من الكائنات الدقيقة وعناصر التحلل الأخرى لهذه المياه.
وعندما يكون النهر واسعاً وسريع الجريان فإن التلوث الناتج من قدر محدود من مياه الصرف الصحي لن يكون ملحوظاً ولن يدوم طويلاً لأن هذه المخلفات سيتم انتشارها وتخفيفها من المياه ، وهي لن تستهلك عندئذ قدراً كبيراً من غاز الأكسجين بسبب انتشارها وبذلك لن تؤدي المخلفات إلى موت بالمياه من كائنات حية لأن هذه الكائنات تحتاج في حياتها إلى قدر معين من الأكسجين الذائب في المياه لا يقل عن أربعة أجزاء في المليون ، ويلاحظ إلى حساب حجم مياه الأنهار لأن ما بها من مخلفات ومواد عضوية تستهلك قدراً كبيراً من حجم الأكسجين الذائب فإذا زاد حجم هذه المخلفات قضت على الكائنات الدقيقة وتوقفت عملية تحللها .
وتلقي بعض المدن بمياه صرفها الصحي والبحار وقد كانت كل من مرسيليا والإسكندرية تفعل ذلك حتى وقت قريب ، ويفضل ألا يتم ذلك إلا بالنسبة لمياه الصرف التي سبقت معالجتها معالجة أولية وإزالة ما بها من فضلات على أن إلقاء هذه المياه على مساحة بعيدة عن الشاطئ يصل إلى نحو عشرة كيلو مترات وعلى عمق نحو خمسين متراً تحت سطح البحر مع أخذ اتجاهات التيارات البحرية في الاعتبار حتى لا تعود هذه المياه إلى الشاطئ مرة أخرى ويجب عدم إلقاء مياه الصرف الصحي في البحيرات المقفلة فبمرور الزمن تخلو مياه هذه البحيرات من الأكسجين وتساعد الفوسفات الموجود بمياه الصرف الصحي على نمو الطحالب وبعض العوائق وبذلك تصبح الظروف مهيأة تماماً بحدوث ظاهرة التشبه الغذائي ويقال عندئذ أن البحيرات قد هدمت وتقدمت بها السن وهي مرحلة لو تصل إليها البحيرات إلا بعد انقضاء مدة مئات وربما لمدة آلاف من السنين .
يتبع,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,
حبيب الزمن